«محطة فروتفيل».. السود فى مرمى الرصاص

عنصرية رجال الشرطة فى الولايات المتحدة ضد أصحاب البشرة السمراء، تبدو كقنبلة موقوتة، ما إن تهدأ قليلًا وتعود الأمور لطبيعتها، حتى تتجدد مرة ثانية لتتصدر نشرات الأخبار.

كان تولى باراك أوباما رئاسة أمريكا لفترتين متتاليتين حدثًا غير عادى، فلم يكن أحد يتوقع عندما أعلن إبراهام لينكولن وثيقة تحرير العبيد فى منتصف القرن التاسع عشر، أن يتولى أسود حكم أمريكا بعد 150 عامًا، فحتى الستينات من القرن الماضى، أى منذ نحو خمسين عامًا، كان السود يعانون من تفرقة عنصرية فى الولايات المتحدة فى وسائل المواصلات والمطاعم والوظائف العليا.

طريق السود لنيل حقوقهم الإنسانية لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان هناك الكثير من العرق والدموع والدم، حيث تم اغتيال اثنين من أشهر زعمائهم، وهما مارتن لوثر كينج ومالكوم إكس، إضافة إلى عشرات الحوادث العنصرية التى طالت المواطنين العاديين، سواء من قبل الشرطة أو جماعات البيض المتطرفة.

أزمة السود فى المجتمع الأمريكى لم تكن بعيدة عن السينما أو الدراما أو الأدب، حيث تم تناولها فى العديد من الأفلام والمسلسلات، وازداد زخم هذه الأفلام فى سنوات ما بعد الألفية، ونال عدد منها جوائز أوسكار. ربما كان الالتفات لمشاكل السود هو نوع من التكفير عن الذنب من قبل صناع السينما عما عانوه من تفرقة عنصرية، أو انعكاس لما يحدث فى الواقع من حوادث عنصرية انتشرت أخبارها فى جميع أنحاء العالم، مع ظهور شبكة الإنترنت والهواتف الذكية وصعوبة التحكم فى انتقال المعلومة.

الأفلام التى تناولت السود فى الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح ما بين أفلام ترجع إلى مرحلة العبودية والحرب الأهلية الأمريكية وما بعدها، مثل فيلم "لينكولن – 2012" من إخراج ستيفن سبيلبرج، وحصل على جائزتى أوسكار، أفضل ممثل لدانييل داى لويس وأفضل تصميم إنتاج، وفيلم "12 سنة عبد – 2013"، من إخراج ستيف ماكوين، وحصل على 3 جوائز أوسكار، أفضل فيلم وأفضل ممثلة مساعدة وأفضل سيناريو مقتبس عن نص أدبى، وأفلام تعود إلى مرحلة نضال السود فيما ما بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصًا فى الخمسينات والستينات، مثل فيلم "سلما – 2014" والذى نافس على الأوسكار، و"مالكوم إكس – 1992"، وفيلم "The Help – 2011"، والحاصل على جائزة أفضل ممثلة مساعدة، وأفلام أخرى تستمد أحداثها من وقائع حقيقية حدثت خلال الفترة المعاصرة، مثل فيلم "محطة فروتفيل – 2013"، والذى فاز بجائزة النظرة الخاصة فى مهرجان "كان" السينمائى بفرنسا.

يتناول فيلم "محطة فروتفيل" قصة حقيقية حدثت فى ليلة رأس السنة 2008، فى محطة مترو فروتفيل بأوكلاند فى كاليفورنيا، حول عنصرية الشرطة الأمريكية ضد العرق الأسود، حيث تم قتل شاب داخل محطة المترو أثناء اعتقاله للاشتباه باشتراكه فى مشاجرة بالقطار، وهو الحادث الذى قام بعض شهود العيان بتصويره عن طريق تليفوناتهم المحمولة، وتسربت هذه الفيديوهات، ما أثار موجة من الاستياء والمظاهرات الغاضبة، ويضع الفيلم المشاهد الأمريكى تحديدًا أمام حقيقة مروعة، أن هناك شرخ أصاب علاقة السلطة التنفيذية مع أصحاب البشرة السوداء، والذين يتم حصرهم دائمًا فى صورة نمطية، وهى أنهم تجار مخدرات ومثيرو شغب.

الفيلم يعتبر "أسود" بالكامل، بدءًا من التأليف والإخراج والتمثيل والإنتاج، حيث كتب له السيناريو وقام بإخراجه "رايان كوجلر" فى أول تجربة له مع الأفلام الطويلة، بعد إخراجه عدة أفلام قصيرة، متأثرًا فى فيلمه بتقنية الأفلام الوثائقية، ويتضح ذلك فى حرصه على عرض كافة التفاصيل الدقيقة حول الشخصية، وتتبع حياتها وعلاقاتها مع الآخرين، وسرد الأحداث بشكل تصاعدى دون التورط فى مغامرات سردية معقدة "استخدم مرة واحدة أسلوب الفلاش باك ليوضح أسباب سجن البطل"، مع التركيز على الجوانب العاطفية للشخصية، ومحاولاته للتغلب على الظروف الصعبة التى تعترض مسيرة حياته، وهو ما أدى إلى الشعور بالبطء خصوصًا فى النصف الأول من الفيلم.

بدأ "كوجلر" فيلمه بشكل وثائقى، حيث عرض فيديو مصور للحادثة الحقيقية لواقعة إطلاق الشرطة للنار على الشاب الصغير "أوسكار جرانت"، ليبدأ بعدها بسرد حياته وعلاقاته مع عائلته وأسرته الصغيرة، أب عاطل عن العمل، لديه طفلة صغيرة، وعلاقته بأمه وجدته قوية ووطيدة، يحاول التخلى عن ممارسات خاطئة فى حياته، كبيع المخدرات التى دخل بسببها السجن ذات مرة. بدا "أوسكار" كشخص مثالى، محب لأسرته، وعاطفى جدًّا، حيث يبكى لقيام سيارة بقتل كلب فى الشارع، كما أنه "خدوم" للآخرين، حيث يساعد زبونة فى سوبر ماركت تحاول معرفة طريقة شواء الأسماك، أو يساعد امرأة حامل فى أثناء احتفالات رأس السنة فى البحث عن حمام. كل تلك المواصفات تجعل منه شخصية قريبة من الناس، كما أنهم سينزعجون لدى معرفتهم بمقتله فى حادث، من الممكن القول إنه ما كان يجب أن يحدث.

ملامح "أوسكار" التى تم تقديمها بشكل درامى فى الفيلم، تتماس مع تقنية الأفلام الوثائقية، التى يتم من خلالها استضافة أشخاص قريبين من الشخصية، لحكى ذكرياتهم معها أو عرض معلومة يعرفونها عنها بحكم علاقتهم بها، وعادة ما تصب تلك الحكايات فى صالح الشخصية، متناولة طيبتها وتسامحها مع العالم، وهو ما يبرر "المثالية" المبالغ فيها لشخصية "أوسكار" فى فيلم "محطة فروتفيل"، حيث يستغنى "كوجلر" عن كل ذلك، مستخدمًا "السارد الخفى"، وكأن المواقف التى تم عرضها لـ"أوسكار" هى من وجهة نظر المحيطين به، رأى الأم والصديقة والابنة والمعارف، ليتقمص السيناريست كل تلك الأقنعة، مقدمًا لنا الأحداث فى شكل درامى.

أدى الممثل "مايكل ب. جوردون" شخصية "أوسكار جرانت" بنجاح، متقمصًا شخصية الشاب الزنجى ابن الأحياء الفقيرة، بملابسه الواسعة دائمًا، أو حركاته أثناء المشى، ولكنته التى يتحدث بها مع رفاقه، معبرًا عن حيرته فى المعادلة الصعبة التى يحاول تحقيقها، بعزمه على عدم العودة لبيع المخدرات رغم فقده لعمله، وأعبائه المالية فى الإنفاق على أسرته الصغيرة ومساعدة أخته فى دفع إيجار الشقة، متمسكًا بحكمة المذيعة الشهيرة "أوبرا وينفرى"، بأن أول 30 يومًا هى الأصعب فى التخلص من أى عادة أو إدمان، وما بعد ذلك فهو سهل، وأدت شخصية الأم الممثلة "أوكتافيا سبنسر" ذات الصوت المميز، والتى حصلت بعدها بعامين على جائزة أوسكار فى فيلم "The Help"، الذى يدور حول التمييز العنصرى فى فترة الستينات من القرن العشرين.

موت "أوسكار" كان مجانيًّا تمامًا وبلا سبب مبرر، حيث تعاملت الشرطة معه ومع رفاقه باعتبارهم المتهمين الأساسيين حتى يثبت العكس، بينما تركت طرف المشاجرة الآخر لمجرد أنهم بيض، وأطلق أحد الضباط الرصاص عليه وهو مقيد اليدين، بعد منتصف ليل 31 ديسمبر 2008، ليتوفى بعدها فى المستشفى فى صباح الأول من يناير 2009. الحادث تم أمام ركاب المترو، الذين قام بعضهم بتصوير ما جرى، وبعد تصاعد الغضب والتنديد بعنف الشرطة، تم تقديم الضباط المتورطين للمحاكمة، وقدم المدير العام ورئيس شرطة محطة المترو استقالتهما، بينما تم تقديم مطلق الرصاص للمحاكمة بتهمة القتل غير العمد، وادعى أنه كان يقصد سحب صاعق الكهرباء بدلًا من المسدس، لتقرر المحكمة معاقبته بعامين فقط، قبل أن يخرج بعد قضائه 11 شهرًا.

حادث محطة فروتفيل تكرر بعد ذلك بطرق مختلفة وفى أماكن أخرى بالولايات المتحدة، واستمر تساقط السود برصاص الشرطة، وسط احتجاجات مجتمعية رافضة للعنف المفرط فى استخدام القوة، لكن يبدو أن الدعاوى التى يطلقها السياسيون بما فيهم أوباما نفسه، لسنِّ تشريعات تقلص عنصرية الشرطة، لن تكون هى الحل المثالى، فالموضوع يتعلق بالثقافة والوعى السائد لدى فئة من البيض، وهو ما يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن لتغييره، ربما بعد مائة عام من الآن. فى قصيدة للشاعر الأمريكى الأسود "لانجستور هيوز" بعنوان "تحذير"، يقول: "الزنوج/ ودودون، مطيعون/ ودودون، متواضعون، لطفاء/ احذروا اليوم/ الذى يعدلون فيه عن رأيهم/ الزنوج فى حقول القطن/ نسيم رقيق/ احذروا الساعة/ التى تجتث فيها الشجر" – كتاب "وجه أمريكا الأسود.. وجه أمريكا الجميل"، ترجمة: أحمد شافعى – المجلس الأعلى للثقافة – 2005". ربما تكون تلك القصيدة نبوءة للشاعر، ستحدث ذات يوم لو لم يسارع المجتمع الأمريكى إلى حل الأزمة، وأعتقد أنه قادر على ذلك.

تريلر الفيلم على موقع يوتيوب


إقرأ أيضاً